محمد بن يزيد المبرد
598
المقتضب
ويقال : « من اللّه لأفعلنّ » ، و « من ربّي لأفعلنّ » . أبدل « من » من الباء التي في قولك : « باللّه لأفعلنّ » ، و « بربّي لأفعلنّ » ؛ كما تقول : « فلان في الموضع وبالموضع » ، فيدخل الباء على « في » ، وكذلك دخلت « من » على الباء ، والاحتجاج يأتيك في موضعه إن شاء اللّه . * * * واعلم أنّك إذا دللت على القسم بما تضعه في موضعه ، فما بعد ذلك الدليل بمنزلة ما بعد القسم . تقول : « أقسمت لأقومنّ » ، و « استحلفته ليخرجنّ » ، أي : قال له : « واللّه لتخرجنّ » ، فدلّ هذا على القسم . ولا يلحق هذه اللام ما النون في آخره خفيفة أو ثقيلة إلّا والمعنى معنى القسم . لا تقول : « زيد يقومنّ » ، ولا « زيد ليقومنّ » إلّا أن تريد القسم في هذه الأخيرة خاصّة ، فكأنّك قلت : « زيد واللّه ليقومنّ » . وتفسير هذا في إثر هذا الباب إن شاء اللّه . * * * وتقول : « إي واللّه لأفعلنّ » . وإن شئت قلت : « إي اللّه لأفعلنّ » ، إنّما تريد : « إي » التي في معنى « نعم » ؛ كما قال : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ « 1 » . فتصل المقسم به ؛ لأنّ « إي » جواب ، والقسم بعدها مستأنف . ولو كانت بدلا من حروف القسم ، لم تجتمع هي وهو ؛ ألا ترى أنّك تقول : « إي واللّه لأفعلنّ » . * * * وإنّما الفصل بين « بلى » و « نعم » أنّ « نعم » تكون جوابا لكلّ كلام لا نفي فيه ، و « بلى » لا تكون جوابا إلّا لكلام فيه نفي . لو قال لك قائل : « أنت زيد » ؟ لكان الجواب « نعم » . وكذلك « هل جاءك زيد » ؟ وكذلك : « من يأتك تأته » ، فتقول : « نعم » ، ولا يصحّ هاهنا « بلى » . فإن نفى ، فقال : « أما لقيت زيدا » ؟ كان الجواب : « بلى » . وكذلك : « ألست قد ذهبت إلى زيد » ؟ و « ما أخذت منه درهما » ؟ و « أنت لا تعطي شيئا » ، فجواب هذا كلّه « بلى » . * * *
--> ( 1 ) يونس : 53 .